"بعد عشرة أعوام أو أكثر- بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضربًا، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة- أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة" (ص179). والمقطع السابق يقع في سياق الصفحات الأخيرة من رواية "التّماسيح" للكاتب المصري يوسف رخا، لكن الرواية بحد ذاتها لا تتحدث عن ثورة المصريين، بقدر ما تحاول استشراف الظروف والمسببات التي أدت إلى حدوثها ومن ثمة إخفاقها في تحقيق مطالب الشارع المنتفض، ذلك من وجهة نظر شاعر ينتمي إلى جيل التسعينيات، يستعيد ذاكرة العقدين الأخيرين، ويعاين تجارب ومصائر أقرانه من النخب المثقفة على اعتبار أنها طليعة المجتمع المصري ومرآته التي بإمكانها أن تعكس السلبيات والإيجابيات، كما التشوهات والأزمات على اختلاف تجلياتها.
في مجموعة فاتن حمودي "قهوة الكلام" تطل علينا الشام، وكأنها أجمل قمر عرفته السماء، امرأة من نار ونور تغوينا بتفاصيلها، وتستدرجنا إلى توتها ومائها العذب. نقطف ياسمينها ونسري مع الذكريات والأحاسيس، نفتح أبوابها السبعة، وننكسر عند الجراح التي حفرها الجلاد في الجسد العريق، وتقول الشاعرة: "كم غرنيكا يلزمنا كي نختصر كل هذا الليل"، وهي تكتب الألم السوري بالكثير من الحب والوجع. مع الشاعرة فاتن حمودي كان لي هذا الحوار عبر المراسلة. *"أنا القيامة.. بدء الأشياء ونهايتها تقول البلاد"، "كم غرنيكا يلزمنا كي نختصر كل هذا الليل"، ولعلك بهذين المقطعين والكثير من الأبيات الأخرى كتبت تفاصيل المأساة السورية ما بين نداء الحرية والقمع الوحشي من دون الوقوع في المباشرة، فكيف استطعت أن تسحبي الألم من إطار الوثيقة إلى مجاز الشعر من دون خيانة أي من الطرفين؟
تزعم رواية "1984" أن العالم تقوده ثلاث دول عظمى: الأولى تدعى "أوراسيا" وتشمل على القسم الشمالي من الكتلة الأوروبية الآسيوية، وهي تدين بـ"البلشفية الجديدة". فيما تُسمى الدولة الثانية بـ"أوقيانيا"، وتسمي الفلسفة التي تحكمها بالاشتراكية الإنكليزية أو "إشتنج". أما الدولة الثالثة فهي "إيستاسيا"، وتضم الصين والجزر اليابانية، وقسم كبير من منشوريا ومنغوليا والتيبت، وهي تخضع لما يُعرف بفلسفة "عبادة الموت"، او"محو الذات". ويبدو أنه من المتعذر التمييز بين العقائد الثلاثة، وما تنتجه من نظم فوقية وتحتية، فكلها تنطلق من منطق تأبيد انعدام الحرية والمساواة، وتجميد حركة الحياة عند لحظة مختارة. وفي كل منها توجد بنية هرمية تراتبية، تنتهي بعبادة القائد، واقتصاد يقوم على حروب مستمرة منذ ربع قرن، لاقتسام ما بقي من العالم، والاستحواذ على ما فيه من الثروات واليد العاملة الرخيصة. حروب ليس غايتها النصر، بقدر ماهي وسيلة ناجعة لإزهاق الفائض من البشر، وتدمير منتجات العمل "التي من شأنها، أن تُستخدم لجعل الجمهور مرتاحاً أكثر مم...
تعليقات
إرسال تعليق