"موت المتعبد الصغير" لخالد درويش.. اعترافات الكائن المنفي عن ذاته ووطنه
قمر ذاهل يوزع عنبره على الجدران والطرقات، ويتدفق على غرفته من نافذتها الشرقية، ينساب على لحيته الكستنائية وشعرها الأسود الطويل، وليس ثمة أكثر وحشة من صمت الثالثة بعد منتصف الليل. فجأة يتساقط المطر، وتفلت من بين شفتيه المطبقتين عبارة: "أنا لست أنا". تشعر المرأة العاشقة بالخوف، وتستفسر عن المعنى، فيجيبها "أنا طيف الولد الذي كنته، ومات بالحمّى". ويقول الراوي، وهو يصوغ ملامح ذاك "الطيف": "أنا لست أنا" عبارة كانت استهوته كثيرًا، فكَتبها على أوراقه أكثر من مرة، وفي أكثر من زمن، حين كان يتسكع في حواري المدينة الكبيرة وحدائقها بحثًا عن امرأة يتهجى الأسئلة في نظراتها وصمتها واندهاشها، بما يبوح من المعاني والشعر والذكريات، وكان يحمل عادة كتابات عجولة وكتبًا منتقاة بعناية، دفاتر وقصاصات وصورًا في حقيبة جلدية معلّقة على كتفه، كُتب عليها بخط واضح وجميل: "مجِّدوني". بعد المشهد الغريب، والإيضاح المقتضب، تبدأ رواية "موت المتعبِّد الصغير" [1] لخالد درويش، في تلك الغرفة الموحشة، وذاك الزمن الفاصل ما بين انتهاء يوم وبداية الآخر، وتبدأ معه...