المشاركات

لماذا نكتبُ السِّيرة الذاتية؟

صورة
  يجتمع فوق رفوف المكتبات في العالم عدد كبير من السير الذاتية والمذكرات واليوميات التي دُونت بأقلام الساسة ورجال الدين والمفكرين والمبدعين والإعلاميين، أو التي كُتبت بواسطة جمع الذاكرة الشفوية أو الحوار الصحفي المطوّل، وفي كل يوم تصدر العديد من الروايات والنصوص الأدبية التي تقوم على استعادة سير مبدعيها، وتشكل هذه المادة الغنية على اختلاف أنواعها ومسمياتها مرتكزًا هامًا من مرتكزات العملية الإبداعية، ومجالًا خصبًا للدراسات الإنسانية، ومرجعًا حيويًا من مرجعيات التاريخ، لاسيما في بعض محطاته المسكوت عنها، كما تعتبر النظريات النقدية الحديثة هذا النوع من الكتابة جنسًا أدبيًا مميزًا أُضيف إلى قائمة الأجناس التقليدية. يربط الباحثون ظهور وانتشار المدونات الشخصية في الغرب بظهور التيارات البروتستانتية التي كانت ترى في كتابة السِّيَر شكلًا من أشكال التطهّر والتقرّب من الخالق، وإذا رجعنا إلى التراث العربي فنحن نعثر على الإرهاصات الأولى لذلك النوع من المدَونات ممثلة بِسيَر الملوك والأبطال والتراجم ومخطوطات الرحالة، لكن كتابة السير بالمفهوم الحديث ظهر في العالم العربي مع دخول الإرساليات الإنجيلي...

من ذاكرة سجون الأسد.. طلّ الملوحي أنهت محكوميتها ولم يُفرج عنها حتى انتصار الثورة السورية

صورة
  ليستْ طلّ الملوحي المُعتقلة السورية الأولى، ولم تكن الأخيرة، فسجّل سجون نظام الأسد حافل بمُعتقلات الرأي، لكن ما يميز تجربة طلّ عن سواها، أنها اعتُقلت قبل عامين من اندلاع الثورة، ولم تكن قد تجاوزت عامها السابع عشر، أي أنها كانت بحكم القاصر، وكانت تستعد لامتحانات الشهادة الثانوية، ومع ذلك دخلت أقبية الزنازين، وتعرضت لشتى صنوف التعذيب إلى أن تدهورت صحتها، وحين بلغت سن الرشد، أُحيلت إلى محكمة "أمن الدولة" التي قضت عليها بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة "التجسس لصالح دولة أجنبية، لقاء مبالغ مالية" في شباط 2011. التهمة فضفاضة جدًا على فتاة بِعمر طل، ومن الناحية القانونية كل الاعترافات التي تُنتزع تحت التعذيب، هي موضع الشّك، وكلنا يعرف أن هذه القضية الغامضة، أثارت حفيظة الرأي العام العالمي، ومنظمات حقوق الإنسان، وشهدت بعض العواصم العربية والأوروبية وقفات احتجاج على اعتقالها، بينما قام أكثر من أربعة آلاف شخص بالتوقيع على بيان حملة "أفرجوا عن طلّ الملوحي"، ولم يُفرج عنها، بل إن المحامي خليل معتوق الذي تبرع بالدفاع عن المتّهمة أمام المحكمة، اعتُقل هو الآخر عام 2012. ...

ذاكرة البدايات.. مُقتطف من كتاب زياد ماجد.. سوريا الثورة اليتيمة (2)

صورة
  رمضان 2011 ونقطة التحوّل العنفي في اليوم الأخير من شهر تمّوز (يوليو)[21] وطيلة أشهر آب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) صعّد النظام السوري عنفه ضد التظاهرات في محاولة جديدة للقضاء عليها. ترافق ذلك مع حلول شهر رمضان في أول آب (أغسطس)، وانتقال تنظيم التظاهرات من القاعدة الأسبوعية (يوم الجمعة ثم ما يليه من تشييع شهداء يسقطون خلاله) إلى القاعدة اليومية بحيث يخرج المتظاهرون كل ليلة بعد الإفطار أو صلاة التراويح. وأدّى الأمر إلى تزايد هائل في عدد التظاهرات، وخروج المئات منها في عشرات المدن والبلدات. وفي الأسبوع الأول من آب (أغسطس) اجتاحت دبابات النظام مدينتي حماة[22] ودير الزور وتمركزت في الساحات التي شهدت أوسع التجمّعات الشعبية والمسيرات. كما ضاعف جيش النظام من عمليات الاقتحام واعتقال الألوف من المواطنين في ريفَي دمشق وإدلب وفي حمص. وعمد بعد السيطرة على حالات التظاهر في جبلة وتطويقها في بانياس إظهار قسوة مطلقة ضد الأحياء (العشوائية) في مدينة اللاذقية وضد مخيّم الرمل الفلسطيني جنوب المدينة حيث كانت تخرج تظاهرات يومية، فقصفها في منتصف شهر آب (أغس...

ذاكرة البدايات.. مُقتطف من كتاب زياد ماجد.. سوريا الثورة اليتيمة (1)

صورة
  شهدت سوريا، في شهر شباط (فبراير) وفي النصف الأوّل من شهر آذار (مارس)، أكثر من تحرّكٍ لناشطين وكتّاب وحقوقيّين، وجدوا في الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين ما يعزّز بعض الآمال عندهم. فأضاؤوا الشموع في لقاءَي تضامن في دمشق مع الشعبين المصري والليبي، واستكملوا محاولاتٍ سابقة للاعتصام أمام وزارة الداخلية ضد الاعتقالات السياسية وتجمّعوا مطالبين بالإفراج عن سجناء الرأي. وشهدت دمشق لأوّل مرّة منذ سنوات تظاهرتَين. واحدة كانت رداً (عفوياً) من تجّار شارع الحريقة وجيرانهم على اعتداء عناصر أمنٍ على إبن أحدهم. وفيها ظهر لأوّل مرّة شعار "الشعب السوري ما بينذلّ"[1]. والثانية مقابل المسجد الأموي في 15 آذار (مارس) كانت مُعدّة ونادت بالحرّية، واعتبرها كثرٌ شرارة الثورة الأولى. وردّت السلطات على الحراك هذا باعتقال العديد من الناشطين وبالاعتداء ضرباً على آخرين وتهديدهم. "من حوران هلّت البشاير"[2] قبل تظاهرة المسجد الأموي في العاصمة السورية بأسبوعين، كتب تلامذة مدرسة في مدينة درعا في حوران جنوب سوريا شعارات معادية للنظام على أحد الجدران. فأمر المحافظ فيصل كلثو...

رواية "أنثاه" لـ فاطمة فهد العواد.. استلاب الروح والجسد

صورة
  الحب هو الموضوع الذي يستحوذ على اهتمام الكاتبة السعودية فاطمة فهد العواد في روايتها الثانية "أنثاه"، لكنه ليس من النوع الذي يملؤنا بهجة وطاقة إيجابية، بل ذلك الحب الذي يستلب المحبّ، يعيش على أوراقه، ويحتضر على أرض الواقع، "تركتني أتقيأ وجعك على سطور المارين نحوي، دونما أن أكترث لأي حال سأُوصف به، وما من حال أعظم من أن أكون عاشقة بلهاء" (ص69)، والاستلاب بمعناه الروحي والوجودي، نقرأه منذ العنوان الذي يحيلنا إلى عاشقة تتخلى عن كينونتها المستقلة وحضورها الاجتماعي، لتصبح ملكا لكائن غائب. تدور أحداث الرواية حول ثلاث صديقات (بيلسان وسفانة وندى) ينحدرّن من عوائل معروفة، متعلّمات ومنتجات، مولعات بالقراءة، يمكن نسّبهّن إلى النخبة السعودية المثقفة، ومع ذلك فهنّ يتقاسمن أحاسيس الفقد والخذلان، جراء حب أجهضته الكوابح الاجتماعية، والخوف من تبعات التمرّد عليها. سفانة، الطويلة، الرشيقة، أكثر الصديقات حبًا للمعرفة والعلم، تتطلع إلى نيل الدكتوراه في جامعة لوس أنجلوس، ويصطدم طموحها بشرط سفر المُحرم معها، كانت مولعة بفواز لخمس سنوات، واضطرت لفراقه بسبب الأعراف الاجتماعية، التي تستنك...

مسرحية "بيروت/ طريق الجديدة".. الحكواتي بين لحظتين فارقتين

صورة
  من منا -نحن سكان العالم العربي- لا يعشق الحكايات، وقد يكون انتشار النميمة والإشاعة بيننا، هو التعبير الأصدق لهذا الوله، وهو الحيز الشعبي الشفاهي للحكاية. خيالنا خصيب، وشرقنا مهد الأساطير، والحكواتي أبو الفنانين عندنا، ومن صلب الأب انحدرت العديد من فنون المسرح، تطورت واختلفت، وكادت أن تقتل أباها، لولا المحاولات الحديثة لإحياء "فن الحكواتي"، محاولات بغض النظر عن مدى أهميتها، ارتبطت دوما بالسؤال عن كيفية تقديمه: بنسخته التراثية، أم المحدّثة؟ والفرق شاسع بين اللحظتين. تاريخ "الحكواتي" بنسخته التراثية قديم في العالم العربي، يعود إلى ما قبل الإسلام، عرف العرب القاص القادر على القصّ الشيق والتأليف والارتجال واستدراج العبر، ومن القصاصين المشهورين كان النضر بن الحارث والأسود بن صريع، وهو أول من قص في مسجد البصرة، وحدَّد ابن الجوزي مفهوم القصاص بأنه "يتبع القصة الماضية، ويستخدم الكلمة المؤداة والحركة"، وقال الجاحظ إنه: "شخص واسع العلم، وحاكي يجيد المحاكاة". والقصّاص جد الحكواتي، عُرف بأسماء عدة، في الجزائر بـ "القوّال" في العراق سموه "...

"موت المتعبد الصغير" لخالد درويش.. اعترافات الكائن المنفي عن ذاته ووطنه

صورة
  قمر ذاهل يوزع عنبره على الجدران والطرقات، ويتدفق على غرفته من نافذتها الشرقية، ينساب على لحيته الكستنائية وشعرها الأسود الطويل، وليس ثمة أكثر وحشة من صمت الثالثة بعد منتصف الليل. فجأة يتساقط المطر، وتفلت من بين شفتيه المطبقتين عبارة: "أنا لست أنا". تشعر المرأة العاشقة بالخوف، وتستفسر عن المعنى، فيجيبها "أنا طيف الولد الذي كنته، ومات بالحمّى". ويقول الراوي، وهو يصوغ ملامح ذاك "الطيف": "أنا لست أنا" عبارة كانت استهوته كثيرًا، فكَتبها على أوراقه أكثر من مرة، وفي أكثر من زمن، حين كان يتسكع في حواري المدينة الكبيرة وحدائقها بحثًا عن امرأة يتهجى الأسئلة في نظراتها وصمتها واندهاشها، بما يبوح من المعاني والشعر والذكريات، وكان يحمل عادة كتابات عجولة وكتبًا منتقاة بعناية، دفاتر وقصاصات وصورًا في حقيبة جلدية معلّقة على كتفه، كُتب عليها بخط واضح وجميل: "مجِّدوني". بعد المشهد الغريب، والإيضاح المقتضب، تبدأ رواية "موت المتعبِّد الصغير" [1] لخالد درويش، في تلك الغرفة الموحشة، وذاك الزمن الفاصل ما بين انتهاء يوم وبداية الآخر، وتبدأ معه...