"موت المتعبد الصغير" لخالد درويش.. اعترافات الكائن المنفي عن ذاته ووطنه
قمر ذاهل يوزع
عنبره على الجدران والطرقات، ويتدفق على غرفته من نافذتها الشرقية، ينساب على
لحيته الكستنائية وشعرها الأسود الطويل، وليس ثمة أكثر وحشة من صمت الثالثة بعد
منتصف الليل. فجأة يتساقط المطر، وتفلت من بين شفتيه المطبقتين عبارة: "أنا
لست أنا". تشعر المرأة العاشقة بالخوف، وتستفسر عن المعنى، فيجيبها "أنا
طيف الولد الذي كنته، ومات بالحمّى".
ويقول الراوي، وهو
يصوغ ملامح ذاك "الطيف": "أنا لست أنا" عبارة كانت استهوته
كثيرًا، فكَتبها على أوراقه أكثر من مرة، وفي أكثر من زمن، حين كان يتسكع في حواري
المدينة الكبيرة وحدائقها بحثًا عن امرأة يتهجى الأسئلة في نظراتها وصمتها
واندهاشها، بما يبوح من المعاني والشعر والذكريات، وكان يحمل عادة كتابات عجولة
وكتبًا منتقاة بعناية، دفاتر وقصاصات وصورًا في حقيبة جلدية معلّقة على كتفه، كُتب
عليها بخط واضح وجميل: "مجِّدوني".
بعد المشهد الغريب،
والإيضاح المقتضب، تبدأ رواية "موت المتعبِّد الصغير"[1] لخالد
درويش، في تلك الغرفة الموحشة، وذاك الزمن الفاصل ما بين انتهاء يوم وبداية الآخر،
وتبدأ معها سيرة "الطيف"، أو ربما سيرة المؤلف ذاتها، الكاتب الفلسطيني
المنفي عن ذاته ووطنه، الذي يعيش في مجازات اللغة، ويتقن بمفرداتها إعادة خلق
عالمه الخاص، بعد أن يخرج عن عباءة الراوي العليم، ويستقل بصوته، ليقص بنفسه على
حبيبته ذاكرة طفولته ووفاته، ووقوعه في البرزخ الواصل ما بين الموت والحياة.
وبين ضميريّ الغائب
والمتكلم ينشطر المبنى الروائي إلى اثنين، وتدخل الرواية تقنية "الحكاية داخل
الحكاية"، تنتقل بين الأزمنة والأمكنة والأحداث، وتضع علاماتها على المنعطفات
ومناطق الالتباس، حتى كأنها رواية العبور ما بين الثنائيات والأضداد المتناحرة:
"لماذا تركتم فلسطين؟ كنا نسأل أمي حانقين معاتبين... نصيب، كانت تجيبنا،
ودموع القهر تغسل عينيها العسليتين، ثم تروي من جديد، حكاية القازان المتفّجر الذي
رمته طائرة اليهود على منازل حارة البركة، فقتل خمسين شخصًا، دفنهم الأحياء على
عجل، وهربوا شمالًا إلى لبنان، ينشدون الحياة".
يتطابق الزمن في
المبنى الأول من الرواية مع زمن كتابة النص، ويسير وفق تسلسله الطبيعي، وإن تخللته
بعض مقاطع الترجيع، ويبدو المبنى كأنه تمهيد شعري، لا يتجاوز عشر صفحات، طُبعت بخط
غامق، يتولاها سارد خارجي، يحكي بلغة أنيقة عن غريبين في حالة ملتبسة من الحب،
ويقطع سرده الحوار القليل بينهما: "تعرفه منذ سنة، وكانت تبحث عنه لمامًا
في شوارع المدينة-ليست مدينتها وليست مدينته- وتعرفه عن كثب منذ شهر، حين التقى
بها ذات صباح، وفاجأها قائلًا: هيا! إلى أين؟ إلى المقهى. ترددتْ قليلًا، ثم
استسلمتْ لحضوره الطاغي".
في المبنى الآخر من
الرواية يعود الزمن إلى ستينات القرن العشرين، وتدور الأحداث على أرض مخيَّم
"النيرب" للاجئين الفلسطينيين في حلب، يتكلم "الطيف" بضمير
الأنا التي كانها ما بين طفولته وأول سنوات بلوغه، ويمضي بالحكاية على وقع
تداعياته، غير آبه بنسق التاريخ، يبوح بتجاربه الأولى مع الإيمان والحب والعقاب
والخوف، يسرد أحلامه وكوابيسه في اليقظة والنوم، وأثناء ذلك يرسم بيئة المخيَّم،
كفضاء اجتماعي، قسري واعتباطي، نشأ على عجل في مكان يخلو من شروط العيش الطبيعية،
وعكسَ شرطه البائس على أرواح ساكنيه وسلوكهم.
يرسم بيئة المخيَّم
الفقير، ويستحضر شخصياته، من مثال الحاج حسين الذي كان من وجهاء حيفا الأثرياء،
ومن أتباع القسَّام الأشداء، وأصبح بعد نزوحه عام 1948، وهروب زوجته مع عشيقها
المقاول السوري، الذي يبيع النازحين فضلات الطعام، أصبح الحاج ضريرًا مُعدمًا،
وشخصًا وحيدًا غريب الأطوار، يُشاع عنه التحرُّش الجنسي بالأطفال ليلًا.
يستحضر
"الطيف" أناسًا عاش بينهم، ومن خلالهم يعيد كتابة المأساة الفلسطينية ما
بين واقع النزوح وحلم العودة، وفي ذاك المسار المضطرب من الحرمان والحنين تختلط
الأخيلة بالوقائع، الشائعات بالحقائق، وتسود تقنية الحلم، لتضفي مسحة غرائبية على
الأحداث والشخصيات: "وجدتُ نفسي في المنام أصعد سطح المهجع، لأقطف العنب..
انزلقتُ على السطح المموج، ووقعتُ على أرض الزقاق بين الناس المتجمّهرين لوداع
مجموعة من الشبان المسلحين، الذين اتخذوا أماكنهم في حافلة صغيرة، ستمضي بهم إلى
قواعد الفدائيين في تخوم هضبة الجولان، للقيام بعمليات داخل فلسطين".
يبدأ
"الطيف" قصته من المسجد، الذي دخله أول مرة مع أبيه وهو في السابعة من
عمره، بعد أن ترفَّع بتفوق إلى الصف الثاني الابتدائي، حينها كان حيًا، وكان يُدعى
خالد، وقد استهواه المكان، وتأصلتْ لديه عادة الصلاة فيه، بما في ذلك صلاة الفجر:
"كان المسجد عبارة عن مهجع طويل وبارد من مجموعة المهاجع الواحد والثمانين
التي تشكل مخيم اللاجئين.. سجاجيد مزركشة تغطي الأرض، جدران مزدانة بآيات قرآنية،
منبر ومحراب ومصاحف، وبندول يرتب الزمن المهدور في طاعة الخالق".
كان الولد صغيرًا،
وكان قادرًا على التأقلم مع البؤس الذي يحيطه من جميع الجهات، مشكلته الوحيدة كانت
في قلبه، الذي ينبض بحب ابنة الجيران، وعلى جدران بيتها ابتكر فكرة رسم العلم
الفلسطيني، حتى يتسنى له رؤيتها، من دون أن يثير حفيظة الناس، وينفضح سره، فقد
"كان أهالي المخيَّم يحتملون الكاذب والمرائي ويطيقون السارق والغشّاش، ولكن
حفيظتهم سرعان ما كانت تثور إزاء الحب وتجلياته". وباسم "الشرف"
قُتلت وداد وأمينة، وقُتلت آسية وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وعند تنفيذ حكم
الإعدام فيها، شهد الشارع جمهرة من الناس والأقارب، لم يشهد أكبر منها "منذ
زيارة جمال عبد الناصر عام 1960، الزيارة التي جددت آمال الناس في تحرير فلسطين".
يقول المتعبِّد
الصغير، وهو يشكي همه الكبير: "كانت ندى تجاور الله في وجداني، وكنت ناجحًا في
التوفيق بين ميولي نحوهما على نحو يمنحني السلام والاطمئنان. له الايمان وطقوس
العبادة، ولها رفيف القلب. ولكنها، رويدًا، رويدًا بدأتْ تزاحم الله في
فؤادي". حينها بدأ حربه الشعواء ضد قلبه وعاطفته، وتوهم للوهلة الأولى أنه
انتصر، وتخلَّص من حبيبته، لكنها ظلت تراوده في مناماته وأحلام يقظته، يراها تقف
عارية بقرب الشلال وتناديه، ويرى نفسه إمبراطورًا عظيمًا، يأمر حراسه بجلبها
إليه.. وحين يفتح كتابه المدرسي، يرسم قلبه، ويكتب اسمها، ويتعرض لأول عقاب من
الضرب المبرح، والحبس في المخزن المظلم.
العقوبة الصارمة لم
تهزم خالد، ولم تمنع حبيبته من التسلل إلى أحلامه، هزمه الخوف، وهو يمضي وحيدًا في
طريقه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، حين ظهر له الحاج حسين، فوقع مغشيًا من الرعب،
أن يخطفه الحاج ويغتصبه، وأُصيب بالحمى، وفتح له الموت أبوابه، دخل وتجوَّل بين
الجثث، وصادف أخته سلوى، التي تُوفيت صغيرة، وكبرت في قبرها، وباتت في الخمسين.
صعد إلى الجنة،
وكان المشهد رائعًا، وكان بإمكانه ان يقول "للحجر كن أخي فيكون"، لكنه
غادرها، لأنه لم يجد فيها نداه. تاه في المناطق الغريبة الخالية، وتساءل قلقًا: متى
يصل؟ وإلى أين؟ وما الذي يفعله في هذا البرزخ اللعين؟!. قاوم الحنين والخوف والمرض
والموت، حتى استطاع الوقوف ثانية بأول درب الحياة. كان الطريق شائكًا، وعرًا، وقرر
ان يمضي فيه، تاركًا الرجل الصغير في مدفنه. وكم تشبه التغريبة الفلسطينية، تغريبة
السوريين؟ مع الفارق أن الأولى بدأت بالاحتلال الاستيطاني، فيما بدأت الثانية على
يد رئيس مستبد، لم ينتخبه أحد، فاق بسجونه وضحاياه كل قواميس المحتلين[2].
تعليقات
إرسال تعليق