رواية "أنثاه" لـ فاطمة فهد العواد.. استلاب الروح والجسد
تدور أحداث الرواية حول ثلاث صديقات (بيلسان وسفانة وندى) ينحدرّن من عوائل
معروفة، متعلّمات ومنتجات، مولعات بالقراءة، يمكن نسّبهّن إلى النخبة السعودية
المثقفة، ومع ذلك فهنّ يتقاسمن أحاسيس الفقد والخذلان، جراء حب أجهضته الكوابح
الاجتماعية، والخوف من تبعات التمرّد عليها. سفانة، الطويلة، الرشيقة، أكثر
الصديقات حبًا للمعرفة والعلم، تتطلع إلى نيل الدكتوراه في جامعة لوس أنجلوس،
ويصطدم طموحها بشرط سفر المُحرم معها، كانت مولعة بفواز لخمس سنوات، واضطرت لفراقه
بسبب الأعراف الاجتماعية، التي تستنكر لونه الأسود.
ندى، المغامرة، قادت السيارة فور وصولها مع والدتها إلى بيروت، استقالت من
عملها كممرضة، لأن محيطها الاجتماعي يحتقر هذه المهنة، وراحت ترسم، وتودع في
ألوانها هيامها بجارها حسام، (عربي يحمل الجنسية السعودية) مضى على حبهما قرابة
عشرين، أخته إيمان كانت مرسال الحب بينهما، طلبها للزواج ورفض أهلها، فسافر وتزوج
من امرأة أخرى، ثم عاد ثانية، وطلب يدها مشترطًا عدم إنجاب الأطفال، رفضته، وقالت:
"لو أن الغياب امرأة لوأدته، ولو أن الحب رجل لقتلته".
أما بيلسان، فهي الراوية التي تسرد قصص الأخريات، وتكتب قصة عشقها لفياض،
حتى تَبْرأ منه. صوت أنثوي داخلي، رومانسي، يتماهى بصوت المؤلفة، وينطق بضمير
المتكلم. أخصائية اجتماعية وكاتبة في الثلاثين من عمرها. حنطية اللون، ذات شعر
أسود طويل وناعم. هي الكبرى في أسرتها التي تتكون من: أختين تصغرانها بعشر سنوات. أب
سعودي، توفي وهي في الثالثة عشر من عمرها. أم فلسطينية حنونة ومعطاءة، يثقلها
الحنين إلى إخوتها المشرّدين في المهاجر، لم تستطع أن تكمل تعليمها، لكن لا يعوزها
حب المطالعة.
ومن خلال هذا التركيب الأسري الخاص، سوف تفتح المؤلفة الباب على مجتمع
نسائي مسالم، يعاين المجتمع الذكوري من خلف الأسوار، ولا يرى في الحب والرجال سوى
علامات للغياب والقهر. كذلك سوف ينقسم المبنى الحكائي إلى مسارين متداخلين: مسار
الواقع بتفصيلاته اليومية، من عمل ولقاءات وحوارات، ومسار ذاكرة العشق والأخيلة
التي تتوسد أوراق بيلسان، وتشكل مادة روايتها الجديدة.
الرواية التي تبدأ منه، وبه تنتهي، فياض مالك المنزل الذي تستأجره أسرتها،
متزوج، "جذاب، الشيب يغزو شعره، جسم رياضي، وأناقة فائقة، وعطره كأنه مخدّر..."
في شبابه أُجبر على هجر الفتاة التي يحب، والزواج من ابنة عمه التي أنجبت له طفلين...
ومن الطبيعي في وضع بيلسان اليتيمة الأب، أن تعشق رجلًا بعمر والدها، وهي في
العشرين من عمرها، لكن من الغريب أن تستمر هذه العاطفة لعشر سنوات، وتنتهي بهجر
الحبيب، بعد أن فاتحته برغبتها في الزواج منه، سيما ان المؤلفة تركز جلّ اهتمامها
على توصيف عذابات الاهمال والفراق، وتتجنب الحديث عن طبيعة هذا الحب وسيرورة
العلاقة، عذرية، أم جسدية؟ والتحفّظ على هذا الجانب، جعل بعض مقاطع الرواية، يبدو
أشبه بمذكرات مراهقة أضناها الغرام.
في سياق النص تقيم المؤلفة حوارًا مع بعض الكتّاب كنزار قباني وأحلام
مستغانمي وجون غراي، وتورد الكثير من الاقتباسات كقول نيتشه "كلما زاد الحب،
قلّ الحذر"، كما أنها بواسطة شخصياتها النسائية والجلسات التي تجمع بينهنّ، تفتتح
عددًا من الملفات الساخنة التي تخص المرأة في المجتمع السعودي، مثل: قيادة السيارة،
السفور، مسألة التعايش الطائفي عبر شخصية زهرة الشيعية الفلسطينية، وعلاقة المجتمع
بالأم غير السعودية، "في كل فصل دراسي، بعد انتهاء مجلس الأمهات"
يسألنها الطالبات "أأمك عربية يا بيلسان، وكأن العرب فقط هم السعودية".
كذلك تنتقد المؤلفة الرقابة من خلال حديث بيلسان عن روايتها الممنوعة من
التدوال، وترددها على "مكتبة الأحلام" المشهورة باقتنائها للكتب المحظورة،
كما تنتقد الجامعات عبر أوراق سفانة التي ضاعت بعد يوم من تقديم طلب التسجيل،
وجميعها إشكالات وانتقادات اكسبت الرواية أبعادها المثيرة للاهتمام، غير أنها لم
تخفف من وطأة ثغراتها العديدة، بدءًا من آلية السرد الإنشائي، مرورًا بعدم
الاهتمام بالتنقيط والفواصل، ما جعل الجمل تبدو طويلة جدًا، وغير مفهومة في بعض
الأحيان، انتهاء بالرؤية التقليدية التي طغت على أسلوب الطرح والمعالجة، رغم تباين
وجهات النظر وتعدد الأصوات، النظرة التي أملتها أصلًا مواقف الراوية المحافظة من
قضايا الحب والتحرر والمساواة بالجنس الآخر، والتي جعلت النص يطفح بالوعظ، وبالنزعة
التعليمية المتعالية، التي تفترضها منظومة الأعراف والأخلاق السائدة، وكأن مهمة
الأدب أن يحرس تلك المنظومة، لا ان يثور عليها.
تهامة الجندي

تعليقات
إرسال تعليق