كفرنبل السوريّة تكتب التاريخ الدامي… بقلم تخطيط وابتسامة

بقلم: زينة ارحيّم

لافتاتٌ هجرتها الحروف لتبقى بيضاء إلاّ من كلمتين وتاريخ يُوثّقان المكان: كفرنبل المُحتّلة، الزمان: 14 ديسمبر (كانون الأول).

ترتمي اللافتات بين يديّ رجالٍ وأطفالٍ أغلقوا أفواههم بشرائط لاصقة، ورفعوا أيديهم عالياً يسيرون خلف قائد المظاهرة الجالس على كتف أحدهم، ويردّدون خلفه هتافات الصمت في أول عرض مسرحيّ إيمائي بالهواء الطلق وأمام جمهور الأمن والشبيحة.

“أردناها مظاهرةً صامتةً لأن الكلام انتهى” يقول رائد الفارس[1] صاحب فكرة المظاهرة الصامتة وعضو المكتب الاعلامي في “مجلس قيادة الثورة بإدلب” وهي إحدى التجمّعات الثورية المنظّمة للمظاهرات في المحافظة.

سبق مظاهرة كفرنبل الصامتة مظاهرة الأموات الذين خرجوا من قبورهم بأكفانهم البيضاء ليطالبوا بإسقاط النظام في شهر يناير (حزيران) الماضي حاملين لافتات كتبوا فيها "متنا وسنموت وتحيا سوريا"، و"مطلوب مقابر جديدة تتسع لشهداء العفو الرئاسي".

تابعت قرية “كفرنبل” التابعة لريف معرة النعمان في محافظة إدلب، الأحداث السياسية والثورية في سوريا أولاً بأول لتعكسها سخريّة ذكيّة في لافتاتٍ جعلت من اسم هذه القرية الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها الـ 30 ألف وسبعة شهداء، محفورًا مع ابتسامة بذاكرة الآلاف من السوريين وحتى العرب.

حتى أن إحدى أدوات غوغل "اد وردز" تشير إلى المعدل الوسطي لعد الباحثين عن اسم هذه القرية منذ بداية الثورة السورية وصل إلى 3600 شهريًا.

رسائل باتجاه واحد

رداً على هجوم مؤيدي النظام على السفيرين الفرنسي والأمريكي كتبت "كفرنبل" باللغتين العربية والإنكليزية "يبدو أننا نطالب بالحماية ممن هو بحاجة لحماية سفرائه أولاً".

عند بدء العام الدراسي وقمع الأمن للمظاهرات الطلابية خرجوا بمظاهراتهم بلافتة يحددون فيها اللباس المدرسي السوريّ وهو  "خوذة، قناع واقي من الغازات ودرع مضاد للرصاص". في جمعة وحدة المعارضة أهدوها مقطعًا من أغنية المطربة سميرة توفيق "وصّلتينا لنص البير وقطعتي الحبلة فينا"، وردًا على الفيتو الصيني كتبوا "كفرنبل تريد تحرير التيبت"، كما طالبوا الجيش السوري "بالانحساب إلى حدود 15 آذار (مارس)"، وبـ ”زيادة عدد الدبابات في كفرنبل المحتّلة للتخفيف عن حمص المنكوبة”، إلى أن وصلوا إلى لافتتهم الأشهر “يسقط النظام والمعارضة، تسقط الأمة العربية والإسلامية، يسقط مجلس الأمن، يسقط العالم، يسقط كل شيء” وسط شهر أكتوبر (تشرين الأول).

يقول الفارس للحياة: "فهمنا منذ الأسابيع الأولى للثورة أن معركتنا مع النظام إعلامية، وكان علينا أن نجد في قريتنا الصغيرة ما يلفت نظر وسائل الإعلام لثورتنا ولمظاهراتنا السلميّة، فوجدنا هذه القصاصات القماشية والكرتونية التي أرسلنا عبرها رسائل للعالم كله باللغتين العربية والإنكليزية وحتى الروسيّة والصينيّة".

ثلاث مرّات سألته، هل أنت متأكدُ أنك تريدني أن أذكر اسمك الكامل بالمقالة، وفي كل مرّة كان يجيب "طبعًا"، مضيفًا "منذ نيسان (أبريل) الماضي خرجت في المظاهرات بوجهي واسمي ولافتاتي وحتى كفني، وكلّفني هذا هجران بيتي وعائلتي وانتقالي للعيش في الخيمة وسط البريّة مع بقيّة الأحرار".

الفارس في الأربعين من عمره درس في كلية الطب بجامعة حلب ثلاث سنوات ليتركها لاحقًا ويفتح مكتبًا عقاريًا، لديه ثلاثة فتيان مراهقين، هم أيضًا هجروا منزلهم والذي تعرض للمداهمة وخُلعت أبوابه وحُطّمت أثاثاته من قبل عناصر الأمن أربع مرات- فقط والحمد لله- يقول الفارس.

يتقاسم رائد الفارس الآن صياغة ووضع أفكار اللافتات مع قريبه وزميل دربه الرسّام أحمد جلل، وهو في الثلاثين من عمره وخريّج معهد التعويضات سنية.

يقع على عاتق الفارس يقع اختيار ما سيُكتب على اللافتات القماشية الكبيرة يوم الخميس لحملها في مظاهرات الجمعة، بينما يختار أحمد ما سيُكتب أيام الأحد والثلاثاء وهي أيام ثابتة للمظاهرات في البلدة.

الحريّة بالألوان

وعن بداية كتابتهم للافتات يقول أحمد "عندما خرجنا في أول مظاهرة قالت قناة "الدنيا" أنها مفبركة ففكرت في كتابة اسم المكان وتاريخ المظاهرة لتوثيقها وتكذيب الدنيا فكانت أول لافتة كتبتها "كفرنبل قلعة الثوّار 29‏ ‏/4 /2011".

ويضيف أحمد "الأفكار نجمعها عادةً سويّة مع مجموعة من النشطاء كلّ يطرح فكرتّه ونطورّها لأصيغها أنا أخيرًا ونكتبها، نستقي أفكارنا من أي حدث نسمع به أو نشاهده على الأخبار، ولدينا خطّاط مختّص ما إن نقرر الأفكار النهائية حتى نطلب منه كتابتها على اللافتات، كما أن لديناً شابّاً يساعدنا في ترجمة اللافتات إلى اللغة الإنكليزية".

عن رسوماته الكاريكاتورية الملوّنة يتحدث الجلل: “أنا أحب الرسم منذ زمن وأمارسه أما في الثورة فلوحتي الأولى كانت للأسد برقبة طويلة وأرجل غائرة في الأرض وكُتبت عليها: إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا".

ويضيف "كنت في البداية ألصق الكرتون الأبيض على كرتون الصناديق لأقوّيها وتتحمّل اللافتة العوامل الطبيعية حتى وصولنا إلى معرة النعمان، لكن الآن مع الحصار المطبق علينا لا نستطيع أن نمشي أكثر من قريتنا فلم أعد بحاجة لتقوية اللافتات".

لم يتوقع كلٌ من أحمد ورائد أن يصبح للافتاتهما هذه الشعبية في أوساط السوريين "لافتاتنا بسيطة وعفوية وأغلب أفكارها من ناس بسطاء وحتى غير متعلمّين يتصلون بي كلّ ماخطرت ببالهم فكرة لنطوّرها معاً ونصل أخيراً إلى الشكل الذي يظهر في المظاهرة، يقول أحمد.

يقدّر أحمد ورائد عدد الجنود المنتشرين في قريتهم بألفي عنصر مع حوالي مئة مدرعة ومئة آلية عسكرية ثقيلة أخرى، هذا عدا عن الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة داخل وعلى أطراف "كفرنبل".

دفع هذا "الاحتلال" كما يسميه رائد وأحمد بهما إلى العيش في خيم قماشيّة في البريّة معتمدين بشكل كلّي على ما يرسله الأهالي من ثياب وطعام.

"بهذا البرد تعيشون؟ ودون كهرباء أو ماء؟" أسأل رائد، فيجيب بثقة "لا تهتّمي، انتهى خوفنا من الموت ومن النظام، معنوياتنا جميعًا في السماء ولم يبق الكثير إنشالله”.

 

نقلًا عن مدونة Zaina Erhaim ديسمبر 25, 2011 

 









[1] رائد الفارس (2018-1972) اغتيل على يد ملثمين مجهولين

تعليقات

الأكثر قراءة

لولو

حسين العودات.. رحلة القلق والأمل

الحرية للشاعر المعتقل ناصر بندق