ذاكرة البدايات.. مُقتطف من كتاب زياد ماجد.. سوريا الثورة اليتيمة (1)


 شهدت سوريا، في شهر شباط (فبراير) وفي النصف الأوّل من شهر آذار (مارس)، أكثر من تحرّكٍ لناشطين وكتّاب وحقوقيّين، وجدوا في الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين ما يعزّز بعض الآمال عندهم. فأضاؤوا الشموع في لقاءَي تضامن في دمشق مع الشعبين المصري والليبي، واستكملوا محاولاتٍ سابقة للاعتصام أمام وزارة الداخلية ضد الاعتقالات السياسية وتجمّعوا مطالبين بالإفراج عن سجناء الرأي.

وشهدت دمشق لأوّل مرّة منذ سنوات تظاهرتَين. واحدة كانت رداً (عفوياً) من تجّار شارع الحريقة وجيرانهم على اعتداء عناصر أمنٍ على إبن أحدهم. وفيها ظهر لأوّل مرّة شعار "الشعب السوري ما بينذلّ"[1]. والثانية مقابل المسجد الأموي في 15 آذار (مارس) كانت مُعدّة ونادت بالحرّية، واعتبرها كثرٌ شرارة الثورة الأولى.

وردّت السلطات على الحراك هذا باعتقال العديد من الناشطين وبالاعتداء ضرباً على آخرين وتهديدهم.

"من حوران هلّت البشاير"[2]

قبل تظاهرة المسجد الأموي في العاصمة السورية بأسبوعين، كتب تلامذة مدرسة في مدينة درعا في حوران جنوب سوريا شعارات معادية للنظام على أحد الجدران. فأمر المحافظ فيصل كلثوم ورئيس الأمن السياسي في المنطقة عاطف نجيب (إبن خالة الرئيس بشار الأسد) باعتقالهم وتعذيبهم، ولم يُفرج عنهم رغم أكثر من مراجعة قام بها ذووهم. وتطوّرت الأمور بعد ذلك حين أهان نجيب وفداً من وجهاء درعا وآباء الأطفال[3] أتى لمفاوضته، فتأجّجت في المدينة مشاعر الغضب والتقى العشرات من أعيانها في المسجد العمري. وفي 18 آذار (مارس) تجمّع الآلاف أمام المسجد، وتعالت الهتافات السياسية الرابطة القمع الوحشي للأطفال المعتقلين[4] بالقمع العام في البلاد وبتردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية[5]، وسارت تظاهرات فتحت الشرطة وعناصر المخابرات النار عليها مباشرة، فقتلت ثلاثة شبّان، صاروا طليعة شهداء "الثورة السورية"[6]. وبين 19 و24 من الشهر نفسه، عمّت التظاهرات منطقة حوران "فزعةً" لدرعا، واستهدفت الشعارات السياسية رامي مخلوف وماهر الأسد والمسؤولين المحلّيين المتّهمين بالفساد. وجرى حرق صور ضخمة لبشار وتحطيم تمثال لأبيه وتكسير مركز حزب البعث ومكاتب شركة "سيرياتل" للاتصالات (التي تعود ملكيّتها لمخلوف). وسقط خلال التظاهرات عشرات الشهداء بنيران "قوى الأمن" فكان كلّ تشييع يتحوّل إلى تظاهرة أوسع من التي سبقتها[7].

وابتداءً من 25 آذار (مارس)، امتدّت تظاهرات التضامن مع درعا إلى العديد من المناطق السورية[8]. وتوسّعت رقعتها تدريجياً لتصل في 22 نيسان (أبريل) إلى ذروتها، مع خروج عشرات المسيرات في أرجاء سوريا في يوم أطلق الناشطون عليه إسم "يوم الجمعة العظيمة" لموافقته "جمعة الآلام" المسيحية. وتُظهر لوائح الشهداء المتظاهرين الذين سقطوا في تلك الفترة أن خريطة التظاهر كما عمليّات قمعها العنيفة تركّزت بشكل أساسي في محافظات درعا وريف دمشق وحمص ودير الزور وفي بعض أحياء مدينة اللاذقية. كما تُظهر الشعارات التي رُفعت مناداتها بالحرّية واستهدافها المباشر رأس النظام ومطالبتها بإسقاطه، ما دلّ على أولوية المسألة السياسية، على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المتردّية لأكثرية المتظاهرين[9].

وشهد يوما 18 و22 نيسان (أبريل) تطوّرين بارزَين في مسار الثورة السورية. في اليوم الأول، تجمّع عشرات الألوف من المواطنين في مدينة حمص في ساحة الساعة من أجل تنظيم اعتصام مفتوح (يُشبه الاعتصامات الضخمة التي جرت في ميدان التحرير القاهري). لكن عناصر الأمن والمخابرات والشبّيحة هاجموا التجمّع مساءً وقتلوا بالرصاص أكثر من مئة مواطن في مجزرة مروّعة، ثم احتلّوا الساحة بعد تفريق المعتصمين[10].

وفي اليوم الثاني (22 نيسان/أبريل)، انطلقت حشود من ريف دمشق (من سقبا ودوما وحمورية وكفربطنا وزملكا وعربين وحرستا وجسرين وغيرها) وعبرت جوبر بهدف الوصول إلى ساحة العباسيين في العاصمة للاعتصام فيها. وبوصولها إلى محلّة الزبلطاني، فتحت قوات الأمن والجيش نيران الرشاشات عليها، فقُتل وأصيب في دقائق عشرات المواطنين واعتُقل عشرات آخرون، واضطرّ الألوف للانكفاء والتشتّت. وفشلت بالتالي ثاني محاولة لاتّخاذ ساحة مدينيّة كبرى موقعاً لاعتصام سلمي مفتوح، وتيقّن كثرٌ من الناشطين أن النظام ماضٍ في تصعيد عمليات القتل مستفيداً من ضعف التغطية الإعلامية لما يجري في سوريا ومن ضعف الردود العربية والدولية على مجازره.

بالتزامن مع ذلك، شنّ جيش النظام حملة عسكرية على درعا واحتلّها بالدبّابات لإخماد التظاهرات نهائياً فيها بعد عجز أجهزة الشرطة والمخابرات عن وقفَها، وفرض عليها حصاراً خانقاً.

وبين أواخر نيسان (أبريل) وأواخر تمّوز (يوليو) 2011 كانت معظم مناطق سوريا قد شهدت تظاهرات ومسيراتِ تشييع لشهداء. وبدأ الإعلام العربي والعالمي ينقل صوراً وأفلاماً يرفعها على الإنترنت المواطنون المتحوّلون إلى صحافيّين. وعرفت تلك الفترة مسيرات وتجمّعات هي الأكبر في الثورة السورية. ففي مدينة حماة، وفي أكثر من يوم جمعة، احتشد في ساحة العاصي قرابة 300 ألف متظاهر، أتوا من أحياء المدينة ومن قرى ريفها كما من مناطق أُخرى. وفي دير الزور، فاقَ عدد المتظاهرين 200 ألف، وسارت في مدن حمص وإدلب والقامشلي وعامودا كما داريا (جنوب دمشق) ودوما (شمال شرقِها) تظاهرات كبرى، وتحرّكت في جامعة حلب وفي أحياء مدينة بانياس واللاذقية ومخيّم الرمل للّاجئين الفلسطينيين فيها وفي جبلة وسلميّة وعشرات المدن والبلدات مسيرات تخطّى عددها المئة في اليوم الواحد (وصل إلى حدود 300 في "جمعة أسرى الحرّية" في 15 تموز/يوليو)[11] في حين تخطّى تعداد المشاركين فيها يوم 22 من الشهر نفسه (في "جمعة أحفاد خالد") عتبة المليون شخص[12].

وحصلت تطوّرات ميدانية ذات دلالات سياسية ورمزية هامة في الأشهر الثلاثة المذكورة.

ففي شهر أيّار، شنّ الجيش السوري عمليات اجتياح واعتقال وقصف ضد بلدات في محافظتي حمص وإدلب، حيث كانت قوات الأمن والشرطة قد فقدت السيطرة على الوضع نتيجة حجم الحراك الشعبي والاعتصامات[13]. وهذا عنى تصعيداً إضافياً من قِبل النظام في عمليّات القمع بهدف سحق الثورة.

وفي الشهر نفسه، وُلدت "أيقونة" الثورة السوريّة الأولى حمزة الخطيب: طفلٌ (ذو 13 عاماً) شارك والدَه والجموعَ السير في تظاهرة من بلدته الجيزة نحو مدينة درعا (في 29 نيسان/أبريل) ناقلين الأغذية للمحاصرين فيها، فاعتُقل على الطريق قرب مساكن الضباط في صيدا، وعُذّب من قبل أجهزة الأمن حتى الموت ثم نُكّل بجثمانه الذي سُلّم لذويه بعد أسابيع.

وفي شهر حزيران (يونيو) تأسّس جسمان تنظيميّان للحراك الثوري: "اتحاد تنسيقيات الثورة" (الذي ستنبثق منه في 18 آب/أغسطس 2011 "الهيئة العامة للثورة السورية") و"لجان التنسيق المحليّة" التي أصدرت في 11 حزيران/يونيو بياناً كان الأوّل من نوعه من طرفٍ مدني مشاركٍ في تنظيم التظاهرات وتوثيق الأحداث، لِتضمّنه رؤية سياسية لمستقبل سوريا وللانتقال الديمقراطي فيها[14]. كما تأسّست في 25 من الشهر نفسه "هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي" وضمّت أحزاباً وشخصيات يسارية وقومية معارِضة وأحزاباً كردية طرحت برنامجاً للإصلاح والتغيير في سوريا.

وشهد الشهر أيضاً حصول حالات انشقاق علنيّ عن الجيش السوري[15]، بدأها الملازم عبد الرزّاق طلاس، وأخذت دفعاً مع المقدّم حسين هرموش[16] الذي رفض وزملاؤه قتل المتظاهرين فانشقّوا وشكّلوا "لواء الضباط الأحرار"[17]. ووقع في يوم 7 حزيران (يونيو) أوّل اشتباك واسع بين منشقّين ووحدات من الجيش كانت متوجّهة لاجتياح جسر الشغور (في الريف الإدلبي)، وتسبّبت هجمات النظام العسكرية على المنطقة نفسها بوصول أوائل اللاجئين السوريّين إلى تركيا (وكان سبقهم وصول بعض اللاجئين من تلكلخ في ريف حمص إلى لبنان).

وفي هذا الشهر الحاسم أيضاً وأيضاً، بدأ الوضع الفلسطيني السوري يتفاعل سياسياً على وقع التطوّرات (بعد اقتصار المرحلة السابقة على تضامن إنساني من مخيّمي درعا وحمص مع جواريهما، وقد دفعا ثمنه غالياً إذ استهدفهما النظام بحملات شرسة أدّت إلى تهجير أكثر سكّانهما)، وشهد مخيم اليرموك جنوب دمشق (الأكبر بين مخيّمات الشتات الفلسطيني) شعارات مناهضة للفصائل الفلسطينية المتحالفة مع نظام الأسد[18].

هكذا تصلّبت في سوريا خلال الفترة المذكورة إرادتان: إرادة متظاهرين وناشطين سياسيين لم يثنِهم القتل عن السير في مواجهة النظام وفي تخطّي المحرّمات السابقة تسميةً (بلا مواربة) واستهدافاً لفظيّاً لرموزه[19]، وإرادة قيادة هذا النظام التي قرّرت طحن عظام المتظاهرين حفاظاً على السلطة المطلقة ومنعاً لاكتمال انهيار جدار الخوف. وبانت كذلك استحالة التجمّع في الشوارع والساحات الرئيسية في المدن الكبرى، والاضطرار على الدوام إلى التظاهرات الطيّارة فيها أو إلى التجمّع في أحيائها الهامشية (الجانبية) الضيّقة (حيث التركيبة السكّانية مختلفة، وبمجملها من الطبقات الفقيرة أو الوسطى الدُنيا)، ما سيوهن مع الوقت قدرة التعبئة أو التواصل المديني ــ لا سيّما في دمشق ــ ويكرّس صورةً جانبٌ منها دقيق وآخر مبالغ فيه (بمعنى أنه لم يكن محسوماً بالكامل منذ البداية ولا غير خاضع للتبدّل) عن ريفية الثورة السورية[20].

 

المُقتطف من الفصل الثاني من كتاب "سوريا الثورة اليتيمة"

المصدر: مدونة زياد ماجد

 يتبع الجزء الثاني

تعليقات

الأكثر قراءة

سجل أنا عربي

مسرحية "بيروت/ طريق الجديدة".. الحكواتي بين لحظتين فارقتين

نيويورك تايمز: جنرالات الأسد يخططون لتمرد في سوريا