مسرحية "بيروت/ طريق الجديدة".. الحكواتي بين لحظتين فارقتين
تاريخ "الحكواتي" بنسخته التراثية قديم في العالم العربي، يعود
إلى ما قبل الإسلام، عرف العرب القاص القادر على القصّ الشيق والتأليف والارتجال واستدراج
العبر، ومن القصاصين المشهورين كان النضر بن الحارث والأسود بن صريع، وهو أول من
قص في مسجد البصرة، وحدَّد ابن الجوزي مفهوم القصاص بأنه "يتبع القصة
الماضية، ويستخدم الكلمة المؤداة والحركة"، وقال الجاحظ إنه: "شخص واسع
العلم، وحاكي يجيد المحاكاة".
والقصّاص جد الحكواتي، عُرف بأسماء عدة، في الجزائر بـ "القوّال"
في العراق سموه "المحدّث" في إيران "النقّال"، وفي مقاهي دمشق
ظهر "الحكواتي" بلباسه العربي وطربوشه العثماني وكتابه، جلس على كرسيه
العالي، بين المتلقين، يقصّ سير الأبطال: عنترة العبسي، بني هلال، الأميرة ذات
الهمة والزير سالم، يغني ما فيها من أشعار، وقد يطلق العنان لنايه أو ربابته، أو يتقمّص
شخصية البطل، ويهز بسيفه، وفي قمة انفعاله قد يرتجل على الحكاية من مخيلته، وقد
يستخدم أسلوب التغريب، دونما أن يدري، فيقطع القصة في ذروتها، كي يوقظ الحاضرين من
الاستغراق، لكن انتشار وسائل الاتصال، وضع حكواتي الشام في متحف التاريخ.
في العقد الأخير من القرن العشرين، شهدت سوريا محاولات لاستعادة الحكواتي
بنسخته التراثية، بدأها رشيد الحلاق في مقهى "النوفرة" بدمشق القديمة عام 1990،
وفي حمص تولى المهمة محمد خير كيلاني، وفي عام 2005 حضرتُ عدة محاولات، لتحديث "فن
الحكواتي"، ونقله إلى المسرح، خاضها كفاح الخوص ونمر سلمون، واقتصرت المحاولات
على قصص الأطفال، وبطبيعة الحال لم تنجح التجربة، لأن الحكواتي الجديد، يحتاج إلى
هامش واسع من الحرية.
في بيروت كنت شاهدة على تجربة مدهشة لتحديث فن الحكواتي، قدّمها يحيى جابر،
في
"مترو المدينة" بعنوان "بيروت/ الطريق الجديدة". حيّز التلقي لم
يكن المقهى القديم، كان أشبه بملهى ليلي، أضواء خافتة، طاولات وكراسي مريحة، والحضور يحتسي ما شاء من المشروبات الروحية أو
غيرها، وحيّز الفرجة، كان مصمما بأسلوب مسرحي، من حيث تشكيل الإضاءة وحركة الممثل
وتوزيع الأغراض، وعلى الحيّز تابعنا زياد عيتاني في ظهوره الأول على المسرح،
بملابسه اليومية، البنطال والقميص، لم يروِ سيرًا من الماضي، حكى قصة معاصرة،
ألفها المخرج خصيصا لنا، قصة حي "طريق الجديدة"، بماضيه وتحولاته
وحاضره، بأصوله ووافديه، رجاله ونسائه، طقوسه ويوميات عيشه. كان يبني دوره كحكواتي
محايد، بالتوازي مع تقمّص شخصيات الآخرين، ورسم ملامحهم، وكانت الكوميديا تنبثق من
طبائع الناس ومفارقات الحياة.

تعليقات
إرسال تعليق