ذاكرة البدايات.. مُقتطف من كتاب زياد ماجد.. سوريا الثورة اليتيمة (2)


 

رمضان 2011 ونقطة التحوّل العنفي

في اليوم الأخير من شهر تمّوز (يوليو)[21] وطيلة أشهر آب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) صعّد النظام السوري عنفه ضد التظاهرات في محاولة جديدة للقضاء عليها. ترافق ذلك مع حلول شهر رمضان في أول آب (أغسطس)، وانتقال تنظيم التظاهرات من القاعدة الأسبوعية (يوم الجمعة ثم ما يليه من تشييع شهداء يسقطون خلاله) إلى القاعدة اليومية بحيث يخرج المتظاهرون كل ليلة بعد الإفطار أو صلاة التراويح. وأدّى الأمر إلى تزايد هائل في عدد التظاهرات، وخروج المئات منها في عشرات المدن والبلدات.

وفي الأسبوع الأول من آب (أغسطس) اجتاحت دبابات النظام مدينتي حماة[22] ودير الزور وتمركزت في الساحات التي شهدت أوسع التجمّعات الشعبية والمسيرات. كما ضاعف جيش النظام من عمليات الاقتحام واعتقال الألوف من المواطنين في ريفَي دمشق وإدلب وفي حمص.

وعمد بعد السيطرة على حالات التظاهر في جبلة وتطويقها في بانياس إظهار قسوة مطلقة ضد الأحياء (العشوائية) في مدينة اللاذقية وضد مخيّم الرمل الفلسطيني جنوب المدينة حيث كانت تخرج تظاهرات يومية، فقصفها في منتصف شهر آب (أغسطس) بالدبابات والبوارج الحربية.

ولجأ النظام في هذه الفترة أيضاً إلى استهداف الناشطين المؤثّرين في محيطهم الاجتماعي وفي التظاهرات والحاملين خطاباً سياسياً وطنياً، ولاعنفيّاً[23]. فجرى قتل المهندس والناشط السياسي معن العودات خلال تظاهرة في درعا في 8 آب (أغسطس)، ثم جرى اعتقال معن ويحيى الشربجي وغياث مطر قرب مدينتهم داريا في 6 أيلول (سبتمبر). وما زال الأخوان الشربجي معتقلَين (علماً أن يحيى معتقل سياسي سابق ومن أبرز دعاة الكفاح اللاعنفي في سوريا)، في حين أُعيد غياث مطر جثة هامدة إلى أهله بعد أن قضى تحت التعذيب. وفي 7 تشرين الأول (أكتوبر)، اغتيل الناشط السياسي الكردي مشعل تمو (رئيس حزب المستقبل) في مدينة القامشلي. وتمو كان بدوره معتقلاً سابقاً وصاحب تأثير في الوسط الكردي المنخرط في التظاهرات ضد النظام. وفي أوّل تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، اعتقلت المخابرات الناشط الطلابي (والمعتقل السابق) محمد عرب في مدينة حلب.

وجرى كذلك اعتقال العديد من الأطباء والمتطوّعين في أعمال الإغاثة الطبية الذين أقاموا عيادات ميدانية سرية لمعالجة جرحى التظاهرات بعد تحوّل المستشفيات الحكومية إلى أماكن اعتقال وتعذيب لا يسلم منها المصابون بجراح خطيرة. وتوالت الشهادات من المعتقلين المحرّرين حول التعذيب الوحشي وحالات الوفاة في المعتقلات.

في المقابل، ظهرت في الفترة نفسها مظاهر عسكرة متنامية. ذلك أن الانشقاقات تزايدت ولَو أنها ظلّت فردية (أو محدودة)، ومعها حالات الهروب من الخدمة العسكرية. وشكّل مئات من المنشقيّن مجموعات عسكرية أعلنت عن نفسها باسم "الجيش السوري الحرّ" (بقيادة العقيد المنشق رياض الأسعد) انضمّ إليها مدنيّون تطوّعوا لحماية التجمّعات الشعبية واشتبكوا أحياناً مع الأمن والشبّيحة. وظهرت مجموعات مسلّحة في مناطق ريفية كما في أحياء مدينيّة شعبية (خاصة في حمص) عددٌ منها ارتبط بعمليّات حماية للمتظاهرين، وعدد آخر بتهريب وخطف وطلب فدية أو مقايضة بمخطوفين ومعتقلين.

وقد انقسم الناشطون بداية تجاه مسألة العسكرة، إذ خشي بعضهم من إفقادها الثورة جانباً من تفوّقها الأخلاقي ومن تحوّلها إلى قتال يأخذ بعداً طائفياً. وخشوا أيضاً من استفادة النظام منها لمضاعفة عنفه، كما توجّسوا ممّا ستخلقه من زعامات مقاتلين وارتباطات بالمموّلين المحتملين. لكن آخرين، كما الأكثرية بين المتظاهرين والمشاركين في الثورة، لم يجدوا بدّاً من السير في خيار الكفاح المسلّح ضد النظام. فمن دون سلاح يحمي التظاهرات، لم يعد بحسبهم من الممكن حصولها بعد احتلال النظام للساحات بالدبابات وتضييق الخناق على مداخل المساجد ومحاصرة البلدات والأحياء الأكثر نشاطاً، وقتل واعتقال الآلاف. وقالوا إن نظام الأسد ليس كنظامي مبارك وبن علي ولا يمكن أن يرحل سلمياً، بل هو كنظامَي القذافي وصدام حسين ينبغي اقتلاعه بالقوة.

واستمرّ النقاش لفترة قبل أن يتخطّاه الوضع الميداني.

سياسياً، كان لتشكيل "المجلس الوطني السوري" في 2 تشرين الأول (أكتوبر) وانخراط قسم من قوى الحراك المدني وممثّلي التنسيقيات فيه إلى جانب قسم كبير من القوى السياسية المعارضة، من الأخوان المسلمين والإسلاميين المستقلين إلى حزب الشعب الديمقراطي (الشيوعي – المكتب السياسي سابقاً) وعدد من أطراف "إعلان دمشق" وصولاً إلى ممثّلين عشائريّين وقوى كردية، بالإضافة إلى فاعلين سياسيّين مقيمين في الخارج، ومن ثم انتخاب الأكاديمي والكاتب المعروف برهان غليون رئيساً له، كان لهذا التشكيل، وقع إعلامي وسياسي إيجابي على قطاعات واسعة من الرأي العام السوري. لكن تعذّر ضمّ جميع القوى المعارضة إليه، ومنها "هيئة التنسيق الوطنية"، أبقى مشهد المعارضة منقسماً، ولم يسمح بخلق جبهة متماسكة في مواجهة جبهة النظام.

وقد عرفت هذه المرحلة أوّل فشل لمجلس الأمن في تبنّي موقف حادّ من النظام السوري نتيجة العرقلة الروسية والصينية (التي ستتكرّر وتعطّل مجلس الأمن لاحقاً)، فاستُعيض عن الأمر ببيان رئاسي تبعته مبادرة من "الجامعة العربية" لإرسال مراقبين ووقف النار وسحب دبابات النظام من الشوارع وإطلاق سراح المعتقلين. لكن المبادرة فشلت وسوريا عُلّقت عضويتها في الجامعة واتُّهم نظامها بارتكاب جرائم ضد "مواطنيه".

حمص عاصمة للثورة

تحوّلت مدينة حمص في أشهر كانون الأول (ديسمبر) 2011 وكانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) وآذار (مارس) 2012 إلى موقع الحراك الثوري الأكبر في سوريا. فالمدينة الثالثة في البلاد ضجّت أحياؤها بالتظاهرات النهارية والليلية التي وُلد فيها رمز أيقوني سوري جديد هو عبد الباسط الساروت (حارس مرمى نادي الكرامة الحمصي). وقاد الأخير المسيرات والتجمّعات وغنّى فيها، وكان لحضوره أثر تعبوي هام نظراً لشعبيّته ولبساطة كلامه وجمال صوته ووضوحه في تلخيص الثورة بوصفها رفضاً للبقاء "عبيداً عند آل الأسد"[24]. لكن مشهد التظاهر الحمصي لم يكن يختصر لوحده مشهد حمص. ففي نفس الوقت، ظهرت "خطوط تماس" مذهبي، إذ بانت الأحياء العلوية (ويقطن فيها ثلث سكّان المدينة تقريباً) مواليةً للنظام، وصارت الاحتكاكات والاشتباكات المصاحبة لمحاولات شبيحة مهاجمة المتظاهرين تتكرّر ومعها الاحتقان الطائفي. كما تجمّع داخل حيّ بابا عمرو في المدينة مئات الشبّان المنتمين للجيش الحر وشكّلوا فيها قاعدة ثورية، وأقيم فيها كذلك مركز إعلامي ومشفى ميداني[25]، وصار العشرات من الصحافيين الأجانب يصلون بابا عمرو من خلال طرقات تهريب عبر الحدود الِبقاعية اللبنانية ليغطّوا تجربة "عاصمة الثورة".

وفي شهري شباط وآذار 2012، وفي نفس الوقت الذي كان كوفي أنان يقبل تولّي مهمة المبعوث المشترك بين الأمم المتحدة والجامعة العربية للبحث في حل "للأزمة السورية"، ارتكب النظام مجازر في حمص استهدفت ناشطين سلميّين وعائلاتهم ومدنيين بينهم أطفال في أحياء الخالدية والبياضة وكرم الزيتون. وترافق ذلك مع قصف عنيف استمرّ لأسابيع[26] وانتهى باقتحام جيش النظام حي بابا عمرو وتدميره.

وحصلت في تلك الفترة أيضاً حملات اعتقال كانت الأكبر، استهدفت حقوقيّين معروفين وناشطين سلميّين في عمليات بدا واضحاً معها أن النظام يريد القضاء على التقارير الإعلامية والقانونية التي توثّق انتهاكاته. فجرى اقتحام "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير" في دمشق واعتقال مديره مازن درويش وجميع زملائه وضيوفهم[27].

وتصاعدت في الأسابيع التي تلت المجازر في حمص حالات الاشتباك المسلّحة بين الجيش ومسلّحي الثورة. كما تصاعد الحقد بين المعارضين والموالين، ووُلدت في بعض أحياء حمص العلوية ظاهرة اسمها "سوق السنّة"، أي سوق تُباع فيها محتويات بيوت الأسر السنيّة التي نهبها الجيش وشبّيحته. وكان للتسمية كما للمبدأ ذاته وقع شديد المرارة في سوريا، أجّج مشاعر الغضب الطائفي في أوساط كانت حتى آذار (مارس) 2012، أي بعد عام على انطلاق الثورة، بعيدة عن التعصّب، أو على الأقل تُحاول ذلك في خطابها العام[28]. وتلى موقعة حمص تنظيم تظاهرات كبرى في أنحاء عديدة في سوريا بان فيها الميل المطالب بمواجهة النظام وبطلب التسليح والتدخّل الدولي لوقف المقتلة متقدّماً لدى الناشطين: ففي جمعة "تسليح الجيش الحر" سارت 675 تظاهرة في البلاد، وفي جمعة سُمّيت "التدخل العسكري الفوري" في 16 آذار، سارت 691 تظاهرة.

وبين 25 أيار (مايو) و12 تموز (يوليو) حصلت في سوريا مجازر مروّعة ذَبح فيها عسكريون من جيش النظام وشبّيحة مئات المدنيّين بعد أن هاجموا بلداتهم ومزارعهم في أرياف حمص وحماة واللاذقية (الحولة والقبير والحفّة والتريمسة). وبدا في الأمر مخطّطاً تهجيرياً، أو تطهيراً مذهبياً وتخويفاً لأبناء بلدات في منطقة مختلطة، على مقربة من "حدود" محافظتي طرطوس واللاذقية.

وجرى ذلك في فترة كانت التظاهرات في سوريا قد وصلت خلالها إلى معدّل 800 تظاهرة كل يوم جمعة (في شهر أيار/مايو)، وبلغت العدد القياسي لها في الثورة في 1 حزيران (يونيو) في جمعة "أطفال الحولة" (بعد أسبوع من حدوث المجزرة) إذ سارت 939 تظاهرة.

في الوقت نفسه، اتّسع نطاق العسكرة ومعها أعداد المقاتلين في الثورة، وصارت مناطق بأكملها خارج سيطرة النظام، لا سيّما في المناطق الطرفية (شرقاً وشمالاً). فجيش النظام اضطر لانتشار منكمش يركّز على المناطق الاستراتيجية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، والاشتباكات وقطع الطرقات والقنص والهجمات على الحواجز المتناثرة صارت تكلّفه خسائر يومية، فصار في المقابل يكثّف استخدام المدفعية والقصف. أما الوضع السياسي الدولي فبدا مجمّداً رغم محاولة جرت في جنيف في 30 حزيران (يونيو) عبر مجموعة اتّصال دولية عربية تولّى كوفي أنان البحث عن قواسم مشتركة بين أعضائها تطرح خطة انتقالية لسوريا وتتضمّن وقف النار وإطلاق الموقوفين وتشكيل حكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات تحضّر لانتخابات. لكن الخلافات حول دور بشار الأسد فيها وموقف كل طرف من مسألة بقائه (وترشّحه عام 2014 لولاية جديدة) وعدم استعداد الدول المعنية أصلاً للضغط من أجل الوصول إلى حلّ جدّي أطاحت بالخطة، ودفعت كوفي أنان بعد شهر من الإعلان عنها إلى الاستقالة. فجرى استبداله بالديبلوماسي الجزائري الأخضر الابراهيمي.

 

المُقتطف من الفصل الثاني من كتاب "سوريا الثورة اليتيمة"

المصدر: مدونة زياد ماجد 

تعليقات

الأكثر قراءة

حملة التضامن مع إدلب وبريتا حاجي حسن

مسرحية "بيروت/ طريق الجديدة".. الحكواتي بين لحظتين فارقتين

سجل أنا عربي